صمت وسكون وهدوء يملأ الأرجاء ليس هناك سوى موتى وقبور وفجأة تشق هذا الصمت صيحة عالية رهيبة توقظ الموتى، وتبعثر القبور وتشق الأرض فيخرج منها البشر حفاة عراة عليهم غبار قبورهم، يسرعون يلبون النداء.
الجبال دكت، الأنهار جفت، البحار اشتعلت، والأرض غير الأرض والسماء كذلك، تكون الواقعة، اكتمل العدد من الإنس والجن والشياطين والوحوش وتجمعوا في أرض واحدة، العيون معلقة بالسماء، الملائكة تنزل من السماء أشكالهم رهيبة يقفون صفا واحداً في خشوع، الناس تسأل الملائكة: أفيكم ربنا؟ ترتجف الملائكة «سبحان الله»، ينزل حملة العرش، ثم ينزل الله تبارك وتعالى في جلاله وملكه ويضع كرسيه حيث يشاء من أرضه ويقول: يا معشرالجن والإنس إني قد انصت إليكم منذ أن خلقتكم إلى يومكم هذا اسمع قولكم وابصر أعمالكم، فانصتوا إليّ، فانماهي أعمالكم وصحفكم تقرأ عليكم فمن وجد خيرا فليحمد الله ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه.
الشمس تدنو من الرؤوس لا يفصل بينها وبين الناس سوى ميل واحد، وفي هذا اليوم حرها مضاعف، أنت وأنا واقفون معهم نبكي، دموعنا تنهمر من الفزع والخوف.. 500 ألف سنة تقف ولا تعرف إلى أين تمضي إلى الجنة أم إلى النار.. لا شربة ماء.. تلتهف الأفواه والأمعاء.. الكل يطلب الرحمة.
ماذا يحدث يوم القيامة وما النفحات الثلاث ومن هو الإمام الذي ستحاسب كل امة به وما جزاء الذي سيقدم كتابه بالشمال وهل يدخل الله المؤمنين الجنة بغير حساب، ما أول ما يحاسب عليه العبد يوم القيامة وما المقصود بنهر الكوثر، وما هي صفاته وهل تحاسب البهائم وما هي قنطرة المظالم وكيف يمر المؤمنون على الصراط وماذا سيحدث للكون والإنسان في يوم القيامة، هذه الأسئلة وغيرها سنحاول الإجابة عليها من خلال هذه الحلقة من سلسلة اسرار الحياة الغامضة:
من أركان الإسلام
جعل سبحانه الإيمان باليوم الآخر ركناً من أركان عقيدة الإسلام ، وعلَّق سبحانه صحة إيمان العبد على الإيمان بذاك اليوم. وقرن الله الإيمان به بالإيمان باليوم الآخر في تسعة عشر موضعاً في القرآن، منها قول القرآن: {ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر }(البقرة: 177) وقوله في حق المطلقات: { إن كن يؤمن بالله واليوم الآخر} (البقرة: 228) وقال أيضاً مخاطباً أولياء النساء: {من كان منكم يؤمن بالله واليوم الآخر} (البقرة:232). ووصف سبحانه المؤمنين بأنهم الذين أمنوا بالله واليوم الآخر، فقال عز من قائل: {إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين من آمن بالله واليوم الآخر} (البقرة: 62). وبالمقابل فقد رتب سبحانه على الكفر بذاك اليوم ما رتبه على الكفر به، فذكر القرآن: { يا أيها الذين آمنوا آمنوا بالله ورسوله والكتاب الذي نزل على رسوله والكتاب الذي أنزل من قبل ومن يكفر بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر فقد ضل ضلالا بعيدا}(النساء:136). وأكد سبحانه أن هذا اليوم واقع لا محال، وأنه لا مفر منه مهما حاول الإنسان ذلك، فذكر القرآن: { فكيف إذا جمعناهم ليوم لا ريب فيه ووفيت كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون}(آل عمران: 25) وقال أيضاً: {الله لا إله إلا هو ليجمعنكم إلى يوم القيامة لا ريب فيه ومن أصدق من الله حديثا}(النساء: 87).
وكان من حكمة الله سبحانه أن جعل ذلك اليوم ليجمع الناس فيه على صعيد واحد، فيحاسب المحسن على إحسانه، ويعاقب المسيء على إساءته، ويقتض للمظلوم من الظالم،
وعلاوة على ما ذكرنا من الآيات الدالة على وجوب الإيمان باليوم الآخر، فقد ثبت في السنة ما يدل على ذلك ويؤكده، من ذلك حديث جبريل عندما جاء الرسول بصورة رجل، سائلاً عن معنى الإيمان و الإسلام وغير ذلك من عقائد الإسلام، فأجابه الرسول بقوله: «الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر» رواه مسلم.
يوم ينفخ في الصور
الصور هو قرن ينفخ فيه يوم القيامة، ويكون ذلك «يوم الجمعة» لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الساعة تقوم يوم الجمعة وفيها يبعث العباد أيضاً»، فعن أوس بن أوس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن من أفضل أيامكم يوم الجمعة، فيه خلق آدم، وفيه قبض، وفيه النفخة، وفيه الصعقة، فأكثروا عليّ من الصلاة فيه، فإن صلاتكم معروضة عليّ».
ويتحدث القرآن الكريم عن ثلاث نفخات تحدث يوم القيامة، النفخة الأولى هي نفخة الفزع، قال تعالى: {ويوم ينفخ في الصور ففزع من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله وكل أتوه داخرين} النمل: 87، ويخبر تعالى عن هول يوم نفخة الفزع في الصور وهو كما جاء في الحديث قرن ينفخ فيه، وفي حديث الصور إن إسرافيل هو الذي ينفخ فيه بأمر الله تعالى فينفخ فيه أولا نفخة الفزع ويحولها وذلك في آخر عمر الدنيا حين تقوم الساعة فيفزع من في السموات ومن في الأرض «إلا من شاء الله»، وهم الشهداء فإنهم أحياء عند ربهم يرزقون، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن طرف صاحب الصور منذ وكل به مستعد ينظر نحو العرش، مخافة أن يؤتمر قبل أن يترد إليه طرفه، كأن عينيه كوكبان دريان» صحيح الألباني.
أما النفخة الثانية فنخفة الصعق وهو الموت، قال تعالى: {ونفخ في الصور فصعق من في السماوات والأرض إلا من شاء الله ثم نفخ فيه أخرى، فإذاهم قيام ينظرون} الزمر: 68، يقول تبارك وتعالى مخبرا عن هول يوم القيامة وما يكون فيه من الآيات العظيمة والزلازل الهائلة، النفخة الثانية وهي نفخة الصعق يموت بها الأحياء من أهل السماوات والأرض إلا من شاء الله كما جاء مصرحا به مفسرا في حديث الصور المشهور ثم يقبض أرواح الباقين حتى يكون آخر من يموت ملك الموت، وينفرد الحي القيوم ويقول: {لمن الملك اليوم} ثلاث مرات، ثم يجيب بنفسه فيقول: {لله الواحد القهار} أنا الذي كنت وحدي وقد قهرت كل شيء وحكمت بالفناء على كل شيء.
وها هي النفخة الثالثة، نفخة البعث، ثم يحيي أول من يحيي إسرافيل ويأمره أن ينفخ في السور أخرى.
قال عز وجل: {ثم نفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون}، أي أحياء بعدما كانوا عظاما ورفاتا صاروا أحياء ينظرون إلى أهوال يوم القيامة.
وفي حديث الصور أنه في النفخة الثالثة يأمر الله الأرواح فتوضع في ثقب في الصور ثم ينفخ إسرافيل فيه بعدما تنبت الأجساد في قبورها وأماكنها، فإذا نفخ في الصور طارت الأرواح، أرواح المؤمنين نورا وأرواح الكافرين ظلمة فيقول الله عز وجل: وعزتي وجلالي لترجعن كل روح إلى جسدها فتجيء الأرواح إلى أجسادها فتدب فيها كما يدب السم في اللديغ ثم يقومون ينفضون التراب من قبورهم، قال تعالى: {يوم يخرجون من الأجداث سراعا كأنهم إلى نصب يوفضون}، فيخرجون حفاة عراة.
الشفاعة بعد طول انتظار
في ذلك اليوم ينظر الناس من يشفع لهم بعد طول الموقف فيأتون آدم أبا البشر ثم نوحا أول رسول أرسله الله إلى أهل الأرض ثم إبراهيم خليل الرحمن ثم موسى أفضل أنبياء بني إسرائيل عليهم الصلاة والسلام وكلهم يقدم عذرا ثم يأتون إلى عيسى آخر الأنبياء قبل محمد صلى الله عليه وسلم فيقول: «لست لها ولكن ائتوا محمدا عبداً غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر»، فيأتون إلى النبي صلى الله عليه وسلم فيقول مفتخرا بنعمة الله: أنا لها، فيستأذن من الله عز وجل ويخر له ساجدا ويفتح الله عليه من محامده وحسن الثناء عليه ما لم يفتحه على أحد قبله فيدعو الله تعالى ما شاء الله أن يدعه ثم يقول: «يا محمد ارفع رأسك وقل تسمع وأشفع تشفع وسل تعطى».
أخذ الكتاب باليمين
قال تعالى: {يوم ندعوا كل أناس بإمامهم فمن أوتي كتابه بيمينه فأولئك يقرؤون كتابهم ولا يظلمون فتيلا} الإسراء: 71، وهنا يخبر تبارك وتعالى عن يوم القيامة أنه يحاسب كل أمة بإمامهم ويحتمل أن المراد بإمامهم أي كل قوم بمن يأتمون به فأهل الإيمان ائتموا بالأنبياء عليهم السلام وأهل الكفر ائتموا بأئمتهم كما قال {وجعلناهم أئمة يدعون إلى النار} وفي الصحيحين: «لتتبع كل أمة ما كانت تعبد فيتبع من كان يعبد الطواغيت الطواغيت».
عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم في قول الله تعالى: {يوم ندعو كل أناس بإمامهم}، قال: «يدعى أحدهم فيعطى كتابه بيمينه ويمد له في جسمه ويبيض وجهه ويجعل على رأسه تاج من لؤلؤة يتلألأ فيطلق إلى أصحابه فيرونه من بعيد فيقولون اللهم آتنا بهذا وبارك لنا في هذا فيأتيهم فيقول لهم ابشروا فإن لكم رجل منكم مثل هذا.
أخذ الكتاب بالشمال
قال تعالى: {وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَالَيْتَنِي لَمْ أؤت كِتَابِية(25)وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِية(26)يَالَيْتَهَا كَانَتْ الْقَاضِيَةَ(27)مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِية(28)هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِية(29)خُذُوهُ فَغُلُّوهُ(30) ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ(31)ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ(32)إِنَّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ(33)وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ(34)} الحاقة.
وهذا إخبار عن حال الأشقياء إذا أعطي أحدهم كتابه بشماله فحينئذ يندم غاية الندم وتمنى الموت ولم يكن شيء في الدنيا أكره إليه منه، يأمر الله الزبانية أن تأخذه عنقا من المحشر فتغله أي تضع الأغلال في عنقه ثم تورده إلى جهنم فتصليه إياها أي تغمره فيها.
بطاقة الشهادة
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يصاح برجل من أمتي يوم القيامة على رؤوس الخلائق فينشر له تسعة وتسعون سجلا كل سجل مد البصر، ثم يقول الله عز وجل: هل تنكر من هذا شيئاً، فيقول: لا يا رب، فيقول: أظلمتك كتبتي الحافظون، ثم يقول: ألك عن ذلك حسنة، فيهاب الرجل، فيقول: لا، فيقول: بلى إن لك عندنا حسنات وإنه لاظلم عليك اليوم، فتخرج له بطاقة الشهادة «أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله»، قال: فيقول: يا رب ما هذه البطاقة مع هذه السجلات، فيقول: إنك لا تظلم، فتوضع السجلات في كفة والبطاقة في كافة فطاشت السجلات وثقلت البطاقة.
يوم القيامة، توضع الموازين فتوزن فيها أعمال العباد من خير وشر فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره، قال الله عز وجل: { ونضع الموازين القسط ليوم القيامة فلا تظلم نفس شيئاً وإن كان مثقال حبة من خردل أتينا بها وكفى بنا حاسبين} الأنبياء: 47.
ومن كمال عدل الله سبحانه وتعالى في ذلك اليوم أنه يحاسب العبد فيقرره بذنوبه، فإن لم يقر أشهد عليه أعضاءه، فتشهد عليه بما عمل، قال تعالى: {يوم تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون} النور: 24.
هذا وتختلف محاسبة الله لعباده تبعا لأعمالهم في الدنيا، فقسم لا يحسابهم الله محاسبة توزن حسناته وسيئاته وإنما تعد أعمالهم وتحصى عليهم، ثم يدخلون النار، وهؤلاء هم الكفار، قال تعالى: {إن الذين كفروا وظلموا لم يكن الله ليغفر لهم ولا ليهديهم طريقا* إلا طريق جهنم خالدين فيها أبداً وكان ذلك على الله يسيرا} النساء: 168-169.
أما القسم الثاني فيدخلهم الله الجنة بغير حساب، وهم المؤمنون الموحدون الذين تميزوا عن سائر الأمة بحسن التوكل على الله جل وعلا، وقسم يعرض الله عليهم ذنوبهم عرضا ويقررهم بها ثم يدخلهم الجنة، قال صلى الله عليه وسلم: «يدنو المؤمن من ربه حتى يضع عليه كنفه -ستره- فيقرره بذنوبه، تعرف ذنب كذا؟ يقول: أعرف، رب أعرف مرتين، فيقول: سترتها في الدنيا وأغفرها لك اليوم، ثم تطوى صحيفة حسناته»، رواه البخاري ومسلم.
وقسم لم يتحدد مصيرهم بعد وهم أصحاب الأعراف، وهم قوم تساوت حسناتهم وسيئاتهم، فهؤلاء يوقفون على مرتفع بين الجنة والنار، ثم يدخلهم الله الجنة برحمة منه سبحانه، قال تعالى: {وعلى الأعراف رجال يعرفون كلا بسيماهم ونادوا أصحاب الجنة ان سلام عليكم لم يدخلوها وهم يطمعون} الأعراف: 46.
وقسم غلبت سيئاتهم حسناتهم فاستحقوا العقاب وهم عصاة المؤمنين، وهؤلاء تحت مشيئة الله سبحانه، إن شاء عفا عنهم، وإن شاء عذبهم، قال تعالى: {إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ومن يشرك بالله فقد افترى إثما عظيما} النساء: 48.
وأول ما يحاسب عليه العبد يوم القيامة من حقوق الله الصلاة، وأول ما يحاسب عليه من حقوق العباد الدماء، قال صلى الله عليه وسلم: «أول ما يحاسب عليه العبد الصلاة، وأول ما يقضى بين الناس في الدماء» رواه النسائي وصححه الألباني.
والحقوق المتعلقة بالخلق من أشد ما يحاسب عليه العبد بعد الشرك بالله، وذلك أن العفو عنها مرتبط بالمظلومين أنفسهم، والناس في ذلك اليوم أحرص ما يكون على الحسنات، لذلك أمر صلى الله عليه وسلم بالتحلل من المظالم في الدنيا قبل أن يكون القصاص بالحسنات والسيئات.
نهر الكوثر
الكوثر هو النهر الذي وعده الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم في الجنة، فنهر الكوثر في الجنة، والحوض في المحشر، وماء نهر الكوثر يصب في ذلك الحوض، ولهذا يطلق على كل من النهر والحوض «كوثر»، باعتبار ان ماءهما واحد، وإن كان الأصل هو النهر الذي في الجنة.
وقد ورد في الأحاديث جملة من صفات نهر الكوثر، تجعل المؤمن في شوق إلى ورود ذلك النهر، والارتواء منه، والإضطلاع من معينه، فهو يجري من غير شق بقدرة الله تعالى، وحافاتاه قبار الدر المجوف، وترابه المسك، وحصباؤه اللؤلؤ.
والحوض المورود لمحمد صلى الله عليه وسلم ماؤه أشد بياضا من اللبن وأحلى من العسل وأطيب من ريح المسك، طوله شهر وعرضه شهر لا يرد عليه إلا المؤمنون به، المتبعون لسنته من يشرب منه شربة لا يظمأ بعدها أبداً.
والصحيح أن لكل نبي حوضا يشرب منه أتباعه، لما رواه الترمذي وصححه الألباني أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إن لكل نبي حوض وإنهم يتباهون أيهم أكثر واردة، وإني أرجو أن أكون أكثرهم واردة.
المرور على الصراط
في ذلك اليوم يوضع الصراط على متن جهنم أدق من الشعر وأحد من السيف، وترسل الأمانة والرحم، فيقومان جنبتي الصراط يمنياً وشمالاً وعلى حافتيه خطاطيف وكلاليب، فيأمرهم سبحانه أن يمروا على ظهر هذا الصراط، فيشتد الموقف، ويكون أول من يجتاز الصراط النبي صلى الله عليه وسلم بأمته، فيمر الناس عليه قدر أعمالهم تجري بهم أعمالهم فمنهم من يمر كلمح البصر وكالبرق ومنهم من يزحف ومنهم ما بين ذلك، ونبينا صلوات الله وسلامه عليه قائم على الصراط يقول: «يا رب سلم يا رب سلم».
وإذا خلص المؤمنون من الصراط حبسوا على قنطرة -جسر آخر- بين الجنة والنار يتقاضون مظالم كانت بينهم، وهؤلاء لا يرجع أحد منهم إلى النار، لعلم الله أن المقاصة بينهم لا تستنفذ حسناتهم، بل تبقي لهم من الحسنات ما يدخلهم الله به الجنة، قال صلى الله عليه وسلم: «يخلص المؤمنون من النار فيحبسون على قنطرة بين الجنة والنار فيقصُّ لبعضهم من بعض مظالم كانت بينهم في الدنيا حتى إذا هذبوا ونقوا أذن لهم في دخول الجنة فوالذي نفس محمد بيده لأحدهم أهدى بمنزله في الجنة منه بمنزله كان في الدنيا».
قنطرة المظالم هذه للمقاصة فيما بينهم فهذه القنطرة خاصة بتنقية المؤمنين من الذنوب المتعلقة بالعباد أي حقوق العباد حتى يدخلوا الجنة وليس في قلوبهم غل ولا حسد لأحد، كما وصف الله أهل الجنة فقال: {ونزعنا ما في صدورهم من غل اخوانا على سرر متقابلين} الحجر: 47.
اما البهائم فانها تحاسب ويقتص لبعضها من بعض كما قال صلى الله عليه وسلم: «لتؤدنَّ الحقوق إلى أهلها يوم القيامة حتى يقاد للشاة الجلحاء من الشاة القرناء رواه مسلم. والشاة الجلحاء هي التي لا قرون لها، والقرناء هي ذات القرون».
دخول الجنة
قال صلى الله عليه وسلم: يدخل الجنة من أمتي سبعون الفا بغير حساب هم الذين لا يكتوون ولا يسترقون، ولا يتطيرون، وعلى ربهم يتوكلون متفق عليه، ومعني لا يسترقون أي: انهم لا يطلبون الرقية من أحد توكلا على الله سبحانه، وان كانوا يرقون أنفسهم أو يرقون غيرهم، ومعنى لا يتطيرون أي: لا يتشاءمون، ومعنى لا يكتوون: لا يطلبون التداوي بالكي لتوكلهم على الله.
حال الكون
وفي القرآن الكريم وصف لهذا اليوم ومشاهده فأحداث يوم اليامة هي تحول هائل في طبيعة العوالم ينتج عنها اختفاء عالم بأسره وظهور عالم آخر وتؤكد الدراسات العلمية وابحاث الفلك والفيزياء تحطم بنية الكون وانحلاله.
يقول تعالى: {يوم تبدل الأرض غير الأرض والسموات وبرزوا لله الواحد القهاء} ابرهيم: 48 ويقول ايضاً {ان زلزلة الساعة شيء عظيم} الحج: 1 كذلك {حتى اذا جاءتهم الساعة بغتة} الانعام: 31 و{يوم تشقق السماء بالغمام ونزل الملائكة تنزيلا} الفرقان: 45 وقوله: {يوم نبطش البطشة الكبرى إنا منتقمون} الدخانك 16 وقوله عز وجل: {يوما عبوسا قمطريرا} الإنسان: 10.
وتتعدد الآيات القرآنية لتحذر وتنذر من ذلك اليوم العظيم حيث يقول الله سبحانه وتعالى: {اذا رجت الأرض رجا، وبست الجبال بسا} الواقعة: 4، 5 وقوله: {ويسألونك عن الجبال فقل ينسفها ربي نسفا} طه: 105.
ويستمر القرآن في الترهيب والتحذير فيقول سبحانه: {يوم نطوي السماء كطي السجل للكتب} الانبياء: 104، {فارتقب يوم تأتي السماء بدخان مبين يغشى الناس هذا عذاب أليم} الدخان: 10، 11، {وحملت الأرض والجبال فدكتا دكة واحدة} الحاقة: 14. و{يوم تكون السماء كالمهل وتكون الجبال كالعهن} المعارج: 8، 9.
ويمتد وصف القرآن لصورة الكارثة الكونية التي تصيب الارض والشمس، القمر، النجوم، الجبال، البحار، السماء فيقول الله: {فاذا النجوم طُمست، واذا السماء فرجت} المرسلات: 8 ، 9 {وخسف القمر وجمع الشمس والقمر} القيامة: 8،9. {اذا الشمس كُوّرت} التكوير: 1 {اذا زلزلت الأرض زلزالها} الزلزلة: 1.
وهكذا يتحدث القرآن عن الأرض التي تبتبدل غير الأرض المعروفة لدينا، وترج رجا عنيفا، وتحمل فتدك مع الجبال دكة واحدة ويتغير شكلها ويصيبها زلزال عنيف وتخرج عن مدارها فتتحول إلى أرض مستوية بعد دك ما عليها.
اما الجبال فتكون سرابا وتنسف نسفا فتختفي وتمتد كارثة الأرض إلى البحر فتتفجر وتزال الحواجز الارضية ويلتقي بعضا بعضا وكذا السماء التي تبتدل وتتغير طبيعتها وينهار نظامها وتشق بالغمام وتطوي كطي السجل للكتب، وينشق القمر ويخسف ويجمع مع الشمس كل ذلك يعني تحول الكون المحيط بالانسان إلى رعب وفزع.
حال الإنسان
كما صور القرآن احداث الطبيعة وأهوالها، صور كذلك حال الانسان وما يواجهه من رعب وكارثة في عالم القيامة الا المؤمنين وصور حال الانسان وهو يفاجأ بتلك الاحداث الطبيعية المروعة يقول سبحانه وتعالى: {يوم تبيض وجوه وتسود وجوه} آل عمرانك 106. {ولو ان لكل نفس ظلمت ما في الأرض لافتدت به} يونس: 54، {انما يؤحزهم ليوم تشخص فيه الأبصار} ابراهيم: 41. {مهطعين مقنعي رؤوسهم} ابراهيم: 43. {لا يرتد اليهم طرفهم} ابراهيم: 43. {يوم يكون الناس كالفراس المبثوث} القارعة: 4
{ويقول الكافر ياليتين كنت ترابا} النبأ: 40.
والمجرمون يومئذ تسود وجوههم بالخزي والمذلة، مطأطئين رؤوسهم ابصارهم شاخصة، وقلوبهم مضطربة من الرعب والخوف وقد بلغت الحناجر تحيط بهم الحسرة والندامة يتمنون لهول ما يواجهون من الذل والخزي والرعب ان يكونوا ترابا تطأه الأقدام.
ويتمنى أحدهم لو تكون له الدنيا بأسرها فيدفعها فديه لانقاذ نفسه، فلا تقبل منه فدية ولا شفاعة، بل يتمنى لو يستطيع أن قدم أهله وأبناءه فدية لينقذ نفسه.
وتحدث القرآن كذلك عالم الجلال والجمال والكبرياء الإلهي، وتجلى مشارق الأنوار الربانية في ساحة القيامة للخلائق كلها فقال: {وأشرقت الأرض بنور ربها ووضع الكتاب وجيء بالنبيين والشهداء} الزمر: 69.
{والملك على أرجائها ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية} الحاقة: 17، {وجاء ربك والملك صفا صفا} الفجر: 22، {وجوه يومئذ ناضرة* إلى ربها ناظرة} القيامة: 22-23.
ويقسم الناس طبقا لأحوالهم في هذا اليوم إلى ثلاثة أقسام، الأتقياء لا يفزعهم هذا اليوم بل يمر عليهم كصلاة ظهر أو عصر تتلقاهم الملائكة تطمنهم وتبشرهم بأن هذا هو يومهم الذي كانوا يوعدون، أما الكفار ففي ذلة وحسرة وندامة، قال تعالى: {ويقول الكفار يا ليتني كنت ترابا} النبأ، أما العصاة فأحوالهم مختلفة، المتكبرون كالذر «صغار النم» يغشاهم الذل من كل مكان، والذين لا يؤدون الزكاة يمثل له ماله ثعبان له نقطتان سوداوان في عينه يطوق عنقه وغيرهم من العصاة في حسرة وندامة.
الأصدقاء باتوا أعداء
أول من ينشق عنه القبر هو سيد ولد آدم الرسول الكريم محمد صلى الله عليه وسلم، قال عليه الصلاة والسلام: «لا تخيروني على موسى»، فإن الناس يصعقون فأكون أول من يفيق فإذا موسى باطش بجانب العرش فلا أدري أكان فيمن صعق فأفاق، أو كان ممن استثنى الله عز وجل»، رواه البخاري، ثم يخرج كل على ما مات عليه، فيخرج المحرم ملبيا والشهيد جرحه يثعب دما وريحه المسك.
الكل مشغل بنفسه فلا أنساب ولا قرابة، قال تعالى: {فإذا جاءت الصاخة، يوم يفر المرء من أخيه وأمه وأبيه، وصاحبته وبنيه، لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه} عبس.
الذهول باد عليهم كأنهم سكارى وما هم بسكارى لكن من هول ما يرون، يساقون إلى أرض الميعاد، وهم يترنحون مشيتهم غير متزنة، وخطواتهم غير ثابتة، وكل من له عمل صالح يريد أن يهرب ممن لهم أعمال سوء، ينادونه فلا يرد عليهم ويستنجدونه فلا ينجدهم، يظنون أن قرابته لهم أو صداقته بهم في الدنيا ستشفع لهم في ذلك اليوم، ولكن هيهات انه لا يلتفت إليهم طلبا للنجاه بنفسه، وترى أولئك الذين يتجمعوا على حب الدنيا، أو تجمعوا على معصية الله، يفرون من بعضهم البعض فهم يومئذ أعداء ألداء، صداقتهم في الدنيا قد تلاشت، إلا المتقين لأنهم كانوا يتعاونون على الخير، وفي ذلك يقول الحق سبحانه وتعالى: {الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين}.
مراحل يوم القيامة
في هذا اليوم الشديد الفظيع ليس غريبا أن يكون المؤمن الذي بشر بالجنة في قبره يكون خائفا وجلا في الموقف، بل الأنبياء والمرسلون الذين هم في ظل الرحمن يوم القيامة، يفزع الناس إليهم ليطلبوا من الله تعالى فصل القضاء، فكل منهم يقول نفسي نفسي.
والمؤمن حين يأخذ كتابه بيمينه لا يدري مصير سيئاته، ولو رجعت حسناته لا يدري حاله على الصراط، ولا يأمن العبد على نفسه حتى يدخل جنة الله.
قال الإمام القرطبي رحمه الله: تفكر الآن فيما حل بك من الفزع بفؤادك إذا رأيت الصراط ودقته ، ثم وقع بصرك على سواد جهنم من تحته ثم قرع سمعك شهيق النار وغيظها، وقد كلفت ان تمشي على الصراط، مع ضعف حالك واضطراب قلبك، وتزلز لقدمك، وثقل ظهرك بالأوزار المانعة لك من المشي على بساط الأرض، فضلا عن حدة الصراط، فكيف بك إذا وضعت عليه إحدى رجليك، فأحسست بحدته واضطررت إلى أن ترفع قدمك الثانية، والخلائق بين يديك يزلون ويتعثرون، وتتناولهم زبانية النار بالخطاطيف والكلاليب، وأنت تنظر إليهم كيف ينكسون إلى جهة النار رؤوسهم وتعلو أرجلهم فيا له من منظر ما أفظعه، ومرتقى ما أصعبه، ومجال ما أضيقه، فاللهم سلم سلم.
ومن ثم فمن نجا من مرحلة معينة من مراحل الحساب لم يدخل الجنة مباشرة، حتى يمر ببقية المراحل، إلا أنه قد ورد النص على أن بعض الناس يعفى من شيء منها، كأولئك الذين يدخلون الجنة بغير حساب، لكنهم يمرون على الصراط ولابد.
وحاصل مراحل القيامة طبعا لقول العلماء: حشر الخلائق جميعا إلى الموقف العظيم، الشفاعة العظمى، أخذ الكتاب بالأيمان والشمائل، الميزان، الحوض، المرور على الصراط، المرور على قنطرة المظالم، دخول الجنة أو النار، والله أعلم.
مجرد مشهد
قال صلى الله عليه وسلم هل «تضارون في رؤية الشمس بالظهيرة صحوا ليس معها سحاب؟ وهل تضارون في رؤية القمر ليلة البدر صحوا ليس فيها سحاب؟ ما تضارون في رؤية الله يوم القيامة. الا كما تضارون في رؤية احدهما اذا كان يوم القيامة اذن مؤذن: ليتبع كل امة ما كانت تعبد فلايبقى احد كان يعبد غير الله من الاصنام والانصاب الا يتساقطون في النار حتى اذا لم يبق الا من كان يعبد الله من بر وفاجر وغير أهل الكتاب فيدعى اليهود فيقال لهم : ما كنت تعبدون؟ قالوا: كنا نعبد عزيزا ابن الله! فيقال: كذبتم ما اتخذ الله من صحابة ولا ولد فماذا تبغون؟ قالوا: عطشنا يا ربنا فاسقنا فيشار اليهم: ألا تردون؟ فيحشرون الى النار كأنها سراب يحطم بعضهم بعضا فيتساقطون في النار وثم دعى النصارى فيقال لهم: ما كنتم تعبدون؟ قالوا: كنا نعبد المسيح ابن الله!
فيقال لهم: كذبتم ما اتخذ الله من صاحبة ولا ولد فيقال لهم: ماذا تبغون؟ فيقولون: عطشنا ياربنا فاسقنا فيشار اليهم: الا تردون؟ فيحشرون الى جهنم كأنها سراب يحطم بعضها بعضا فيتساقطون في النار حتى اذا لم يبق الا من كان يعبد الله من بر وفاجر اتاهم رب العالمين في ادنى صورة من التي رأوه فيها قال: {فما تنتظرون؟ تتبع كل أمة ما كانت تعبد} قالوا: ياربنا فارقنا الناس في الدنيا افقر ما كنا اليهم ولم نصاحبهم فيقول: أنا ربكم فيقولون: نعوذ بالله منك لانشرك بالله شيئا «مرتين او ثلاثا» حتى ان بعضهم ليكاد ان ينقلب فيقول: هل بينكم وبينه آية فتعرفونه بها؟ فيقولون: نعم الساق، فيكشف عن ساق فلا يبقى من كان يسجد لله من تلقاء نفسه الا اذن الله له بالسجود ولا يبقى من كان يسجد اتقاء ورياء الا جعل الله ظهره طبقة واحدة كلها اراد ان يسجد خر على قفاه ثم يرفعون رؤسهم وقد تحول في الصورةالصفحات [1] [ 2]